الشخصية المصرية
د. أسامة الأزهري



تقوم الشخصية المصرية على عدد من المرتكزات والأعمدة والأسس، التى أتاحت لها عبر التاريخ أن تصنع هذا الأثر التاريخى المجيد، وأن تبدع هذه المنتجات التى تتمثل فى عشرات من الأمور المذهلة، منها الهرم الأكبر والمعابد والمسلات، ومنها مدرسة السلطان حسن، ومنها انتصارات جيشها العظيم عبر ألوف من السنين، ومنها أزهرها الشريف الذى ظل عبر ألف سنة يخرج عشرات الألوف من الأئمة والعلماء ذوى الأثر الحميد فى إفريقيا وآسيا وغيرهما، ومنها قدرة هذا الإنسان على اجتياز الأزمات الطاحنة عبر التاريخ ليخرج منها أشد عودا ومقدرة، إلى غير ذلك من وجوه العبقرية المصرية التى ترجع بأكملها إلى احتفاظ هذا الوطن بسر معرفى دقيق ومتراكم فى صناعة الإنسان المصري، القادر على تشغيل أرض هذا الوطن، بما يصنع هذا الأثر.

والمتأمل بعمق فيما هو كامن وراء ذلك كله، يجد أن هذه الشخصية المصرية منسوجة ومتضافرة من عدد من الأسس والأعمدة، منها أنه إنسان قوي، لا ينهزم أمام الأزمات، ولا تنال منه مهما اشتدت، ويخرج من الأزمات الطاحنة قادرا على التجدد، واستمرار الحياة، وتدارك الأزمة، ولم يستسلم عبر تاريخه لأزمة مهما تفاقمت، والذى يراجع ما كتب مثلا عن الشدة المستنصرية وغيرها من الشدائد يرى ذلك، فهو إنسان قوي، قادر على التجدد، جرت العادة فيها ألا يموت تحت وطأة الأزمات، بل تتلاطم أمواجها ثم تنحسر عنه فإذا به عميق الجذور، ثابتا، باقيا.

ومن أعمدة شخصية الإنسان المصرى أيضا أنه واسع الأفق، غير متقوقع على نفسه، بل خرج منه جيل من وراء جيل وهو يرى الدنيا بأكملها تأتى إلى أرضه، وتجلس مجلس التلميذ من الأستاذ، فى جامعة القاهرة العريقة، أو فى الأزهر الشريف، أو من الحجاج العابرين على أرضه من خلال طريق الحج الإفريقي، أو طريق الحجاج المغاربة، أو أبناء الملايو وجنوب آسيا من القاصدين إلى أرض مصر للتزود من العلم والمعرفة، فتفتحت عين الإنسان المصرى واتسع وعيه بالتدريج ليدرك أن وطنه بالفعل أم الدنيا، ومعلم الدنيا، فصار إنسانا واسع الأفق، عظيم الطموح، مدركا لقيمة نفسه وأرض وطنه، مما يزيده مقدرة على اجتياز أزماته، وتشغيل ثروات وطنه ليكرم ضيوفه، إلى غير ذلك من المكونات الدقيقة التى صنعت فى الإنسان المصرى وعيا عاما بأن خاطره رحيب ومتسع، وأن آفاقه كمصرى ممتدة.

ومن أعمدة الشخصية المصرية أيضا الشغف العميق بالعمران والبناء والتشييد، منذ أن شيد الهرم الأكبر ونحو مائة هرم أصغر منه، مع الأبنية الهائلة، التى تشهد بتقدمه وسبقه فى العلوم الهندسية وفنون المعمار، مع ولعه بالبناء، انتهاء بالفلاح المصرى البسيط رقيق الحال الذى يظل على مدى سنوات يدخر، فإذا سألته قال: (حتى أبنى حتة بيت)، مما يدل على بقاء الشغف المتوارث بالعمران كامنا فى أعماق وجدان الإنسان المصري، فلا تستسيغ فطرته أبدا أن ينخرط فى الهدم ولا التدمير ولا الفساد.

ومن أعمدة الشخصية المصرية أيضا أن تدينه عبر تاريخه قاده إلى الحضارة، فهو ليس متدينا فقط، بل هو متدين تدينا يصنع الحضارة، فقد دفعه ولعه بالآخرة والعدالة الإلهية هناك ومنظوره الدينى فى عبادة الرب وتوحيده وتمجيده أن يبدع (كتاب الموتي) عند قدماء المصريين، وأن يشيد الأهرام والمعابد العجيبة الصنع، المحيرة فى أسرارها الهندسية، مع الإبداع الهندسى الذى يشيد به المعمارى العبقرى كريزويل فى كتابه عن (العمارة الإسلامية فى مصر) وهو مطبوع فى ثلاثة أجزاء بالإنجليزية، مما يكشف لنا عن أن تدين الإنسان المصرى عبر تاريخه قد تحول إلى حياة وعلم وإبداع ومؤسسات وأبنية وعمران وحضارة، وهكذا عاش فى أطواره الدينية المختلفة، من عهد الفراعنة، إلى عهده المسيحي، إلى عهده الإسلامي، حيث ظل يستلهم من تدينه فى كل طور صناعة الحضارة، والولع بالحياة وإكرام الحياة، مع التمهيد للحياة الأبدية فى الآخرة، بكل ما هو جميل ونافع، حتى يتكلم فى كتاب الموتى أن من ضمن ما يقدمه بين يدى الله من أسباب النجاة أنه لم يلوث ماء النيل.

والخلاصة أن هذه الشخصية المصرية العبقرية جديرة بكل اهتمام فى التنقيب عن مفاتيحها ومكوناتها، ومصانعها، لكى نستمر فى توريث أسرارها لأجيال، ولكى تبقى مصر قادرة على الاستمرار والتجدد والانطلاق، وتحيا مصر شامخة عزيزة مرفوعة الرأس بإنسانها العبقرى القوي.

جريدة الأهرام: 3 سبتمبر 2016م


© 2016 MISIRkultur.net - ALL RIGHTS RESERVED