الأمن التربوي والثقافي.. ضرورة للإقلاع الحضاري بقوة وثبات
د. أحمد علي سليمان



يحتل الأمن مكانا بارزا بين اهتمامات الناس في المجتمعات المعاصرة، نظرًا لاتصاله المباشر بالحياة اليومية، وبما يوفره من طمأنينة في النفس وسلامة في التصرف والتعامل. وما قيمة كل الإنجازات الأخرى إذا لم يكن الإنسان آمنًا على نفسه وعرضه وماله؟!. لذلك عاشت الأمم عبر العصور ساعية للبحث عن أمنها وطمأنينتها، وكان الأمن ملازمًا لحياتها، وتسعى دائما إلى تحقيقه.

والأمن مظلة عريقة تستوعب كل نشاطات المجتمع؛ لذلك ظهر الأمن بمعناه المباشر وهو تحقيق الطمأنينة للمواطن، ودفع الأذى عنه، وإبعاده عن كل أسباب الخوف، التي تقلق حياته؛ لتقوى طاقاته على العمل والإنتاج والإبداع.. وهناك أنواع متعددة من الأمن ظهرت مسمياتها في العقود الأخيرة، منها:

-الأمن الصناعي: وظهر هذا المصطلح بعد الثورة الصناعية؛ لتوفير الأمن للعاملين في مجالات الصناعة والعمل والإنتاج، وحمايتهم من شرور الآلات ومخاطرها.

-الأمن الاجتماعي: وظهر هذا النوع كرد فعل لمواجهة مشكلات وظواهر انتشرت في المجتمع ومن بينها مشكلات: الفقر، والعنوسة، والطلاق، والتخلف، وأطفال الشوراع، والعشوائيات، وإدمان المخدرات.. وغيرها.

-الأمن الغذائي: ويعني باختصار أن تنتج كل أمة حاجياتها من الغذاء ولا تكون عالة على غيرها في طعامها وشرابها؛ فتفقد استقلالها وسيادتها.

- الأمن المائي: وظهر هذا المصطلح كرد فعل للشح المائي الذي تعاني منه كثير من الدول التي تقع في المناطق الجافة وشبه الجافة؛ وذلك للسعي نحو توفير موارد للمياه لمجابهة شح المياه المنتظر أو الواقع فعلا... وهكذا..

أما الأمن التربوي فيقصد به أن لكل أمة أفكارها التربوية النابعة من قيمها وعاداتها وأعرافها وثقافتها وثوابتها العقدية والفلسفية، والتي تصوغ هُويتها وتشكل شخصيتها، حيث تستطيع الأمة أن تحصِّن وتقي نفسها من خلال ثوابتها التربوية، مخاطرَ الأفكار الهدامة، والنظريات الوافدة، فلا تكون عرضة لتغيير عاصف يشتت الملامح، ولا تستجيب لمعاول الهدم التي تتسلل تحت ستار التجديد والتطوير ومواكبة العصر. والتربية بمفهومها الواسع تعنى بالتعرف على طاقات الفرد وتنميتها وتوجيهها وجهة سليمة تحقق له الأمن في تعامله مع الآخرين.

 وما ينبغي التأكيد عليه أن هناك فرقًا شاسعًا وبونًا واسعًا بين الانفتاح على ثقافات الآخرين والنهل من ينبوع المعرفة، وبين الاستجابة العمياء لأي فكر. فإذا كان من الضروري أن تفتح الأمة نوافذ ذهنها وعقليتها وفكرها لكل ما هو إيجابي ومفيد، فإن من غير المفيد أن تفتح الأمة أبوابها للرياح العاتية التي تهدد جذورها بالاقتلاع، وتنذر وجودها بالتلاشي.

إن التمايز الحضاري مختلف تمامًا عن الانغلاق أو العداء الحضاري، فقد أثبت التاريخ الإنساني أن هذا التمايز لم يمنع من التقاء الحضارات وتفاعلها، حيث إن الفكر الإنساني به كثير من القواسم المشتركة بين الأمم والشعوب، لكن لابد لكل أمة أن تقدم تصورًا تاريخيًّا عن نفسها وتصورًا للعالم من حولها، ورؤية مستقبلية تعبئ جهودها. إن الأمة هالكة لا محالة إن لم تفرق بين التفاعل الحضاري والإبداع الحضاري. ويذهب بعض الخبراء التربويين بأن مفهوم الأمن التربوي يجب أن يعمل على تحصين الذات ضد التيارات الوافدة، وتوفير الدعم للعاملين في الحقل التربوي، والاستجابة لمطالبهم المشروعة، وتحسين ظروفهم المادية والمعنوية كما يقول عويد الور في دراسته الأمن التربوي العربي والخطر الداهم.

 الأمن التربوي يحقق الهدف الأسمى الذي استهدفه القرآن الكريم في أول سورة منه وهي كلمة اقرأ، والتي حاول الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن يحققها بوسائل عدة، منها على سبيل المثال أن الأسرى كان يفاديهم إذا علَّم كل واحد منهم عشرة من الأميين المسلمين القراءة والكتابة.. وذلك كله حرصًا من الرسول (صلى الله عليه وسلم) في أن يُؤمن للأمة الناشئة حظًّا واسعًا من التربية والتعليم والمعرفة، تجابه به ضرورات الحياة، وتحاول بذلك أن ترقى بحالها..

ومن واجب الأمة في عصرها الراهن أن ترسخ أمنها التربوي باعتباره أساس الحصانة الفكرية التي تؤكد على ثوابت المسلم ومقدساته وعقيدته، في ظل تواتر التحديات وحملات التغريب التي تستهدف النيل من عقيدته وثوابته والقضاء على إرثه الحضاري والثقافي..

كما تنبع أهمية الأمن التربوي بما يحمله من مسؤولية رفيعة في تكوين المستقبل وصناعة الأجيال وتشكيل المنظومة القيمية والمعرفية والمهاراتية لجميع أفراد المجتمع المسلم. وقد أبدعت الأمم المعاصرة طرائق متعددة وأساليب متباينة للحفاظ على أمنها التربوي. وفي ديننا الحنيف المسعف لذلك ولعمليات النهوض والتقدم.

ولما كان الأمن التربوي هو صمام أمان المجتمع، يحميه من الغربة والعزلة داخل الديار، ويحمي المجتمع من التيارات الهدامة الوافدة التي تحاول زعزعة عقائده، وتنميطه وقولبته وفق ثقافة واحدة، ومن ثم القضاء على الإرث الثقافي الإنساني شيئا فشيئا؛ لذلك فإن الحفاظ عليه والانطلاق منه يحمي البلاد والعباد من مغبة فقدان الهوية والثقافة والإرث الحضاري.. خصوصًا في هذا الوقت الذي بلغ فيه الجهل والفقر والمرض والتخلف شأوته بين قطاعات كثيرة في المجتمع.

وهكذا فإن الأمن التربوي يؤكد على ثوابت الأمة من ناحية وعلى ضرورة أن ترتبط التربية والتعليم ارتباطًا مباشرًا بالحياة، بحيث يؤهل الشباب للعيش والتعايش مع تحدياتها، ويعدهم للحياة، خصوصا في ظل الدراسات الحديثة التي تنبأت بأن الشخص في المستقبل سيغير وظيفته ومهنته –بسبب التطور السريع- في حياته العملية من ثلاث إلى أربع مرات، الأمر الذي يحتم علينا التعامل مع هذا الملف بمنتهى الجدية والعلمية.. ومن ذلك غرس القيم التربوية التي تؤكد على التعلم المستمر والذاتي والتعاوني والنشط في نفوس شبابنا، من أجل تطوير إمكاناتهم وربطهم المحكم بالتطور العالمي المتلاحق والمتواتر.. وتزويدهم بمجموعة من المهارات الحياتية المهمة التي أكد عليها الإسلام الحنيف، ومنها: مهارة التفكير الإبداعي، الوعي بالذات، التواصل والحوار، تحمل المسؤولية، اتخاذ القرار، التخطيط، ترشيد الاستهلاك وإدارة الموارد المالية، المحافظة على البيئة، إدارة الوقت، ومهارات العمران، والمهارات اليدوية والحرفية والتقنية، إقامة العلاقات الشخصية الناجحة، التكيف مع الضغوط..

ولابد أيضا من توفير الضمانات الكافية لحماية العقل والثقافة والهوية والقيم والخصوصيات الثقافية المميِزة للمجتمع، وكل ذلك يصب في ترسيخ الأمن النفسي والاقتصادي وتحقق السلام الاجتماعي.. ويعتبر الأمن التربوي ضمن مجموعة من العوامل المهمة -ومنها مؤسسات التعليم والإعلام والثقافة، والعقل الجمعي للأمة، وإرادتها للإنطلاق نحو آفاق المستقبل، ومشروع حضاري تلتف حوله الأمة – ضرورة قبلِية؛ لتحريك عمليات الإقلاع الحضاري بقوة وثبات.

 إن أمتنا المسلمة -صاحبة الرصيد الحضاري الكبير- في أمس الحاجة الآن للانطلاق نحو استعادة آفاق النهضة والتقدم والريادة، كما انطلقت شعوب كثيرة، كانت فيما سبق قليلة الرصيد المادي والحضاري، مثل: اليابان التي دمرت عن بكرة أبيها (نفسيًّا ومعنويًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا)، بعد إلقاء القنابل الذرية على هيروشيما ونجازاكي.. ومع ذلك أبهرت العالم بإرادتها وإدراتها ورغبتها الملحة في ترك بصماتها في جنبات الدنيا... ولو قدر لنا أن نستثمر تراثنا الحضاري، وأدمغة أبنائنا المبدعين في شتى النواحى؛ لاستعادت أمتنا ريادتها وسيادتها، ولحققت من خلال ذلك نفعًا لحاضرها ولمستقبلها، ولأصبحت عنصرًا فاعلا في الحضارة الإنسانية المعاصرة، وليست مجرد مستورِدة ومنتفعة بإبداعات الآخرين، ولاشك أن ذلك مرهون بتطوير مؤسسات التربية والتعليم والبحث العلمي والإعلام والثقافة في بلادنا، وإيجاد المناخ الداعم والبيئة المحفزة للعمل والإبداع واستنبات المعرفة الجديدة، ومن قبل ذلك تحقيق الرعاية والعيش الكريم للباحثين والمبدعين والمخترعين وما أكثرهم في بلادنا.

 

عضو المكتب الفني بالهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد -رئاسة مجلس الوزراء – جمهورية مصر العربية 


© 2016 MISIRkultur.net - ALL RIGHTS RESERVED