مصر فى الأدب العثمانى
أ.د. ماجدة مخلوف



قصة يوسف وزليخا من الموضوعات التى ترددت كثيرا فى الأدب التركى، وبالضرورة ارتبطت القصة بمصر؛ حيث عاش سيدنا يوسف عليه السلام فكان يتردد دوما فى ثنايا المنظومة ذكر خبر يوسف عليه السلام مع عزيز مصر ونيل مصر وأرضها وهو ما حدا باستاذنا الدكتور حسين مجيب المصرى إلى تصنيف مؤلفه حول مصر فى الشعر التركى والفارسى والعربى. فيحدثنا عن ابن .كمال باشا الذى رافق السلطان سليم الأول فى حملته على مصر وقد عرض لمصر فى شعره بالوصف، فيصفها وصف معجب شديد الإعجاب بجمال طبيعتها وجمال نيلها الذى ملأ عليه خياله

وتبين لنا الأدبيات العثمانية أن ما من احد من العثمانيين سواء كان الأدباء أو طلاب العلم أو رجال الدولة قصد الذهاب للحج إلا وأقام فى مصر لفترة فى ذهابه وإيابه.

كما كانت مصر مقصدا للرحالة الأتراك على مدار السنين فهذا مصطفى عالى يكتب "حالات القاهرة من العادات الظاهرة" وذلك فى النصف الثانى من القرن السادس عشر. وتنقسم مشاهداته لها بين الإيجاب والسلب. تكلم عن نهر النيل الذى ينبع من الجنة وفيضانه، واحتفالات المصريين به وعجيبة الأهرام، والجامع الأزهر، وخصوبة أرض مصر ووفرة محاصيلها، وولع المصريين بزيارة الأضرحة، وخروج موكب الحج ونقوش المصريين على بيوتهم بهذه المناسبة. وأشاد بنظافة حماماتها وزينتها، واحتفالات المصريين بشهر رمضان وغيره. ونتبين من كتابه أن لمصر مكانة رفيعة فى نفس الأتراك لكونها حسب قوله "أكثر بلد ورد ذكره فى القرآن  الكريم، كما عاش بها من الأنبياء والرسل وهى مقصد آل البيت والصحابة وأولياء الله الصالحين، وأنه دخلها من النساء السيدة مريم العذراء، والسيدة سارة زوجة نبى الله ابراهيم الخليل، وأم سيدنا موسى وآسيا زوجة فرعون وهى أرض العجائب.

 وأشهر من كتب الرحلة فى الأدب التركى هو الرحالة العثمانى أوليا جلبى ( المتوفى عام 1093هـ / 1682م) وهو من الشخصيات العثمانية البارزة فى القرن السابع عشر، وترجع شهرته إلى قيامه برحلته إلى ولايات الدولة العثمانية فى آسيا وأفريقيا وأوروبا على مدى أربعين عاما، وسجلها فى كتابه ذى المجلدات العشرة والمعروف باسم (سياحتنامه) أى كتاب الرحلة. ولهذا الكتاب قيمته الأدبية والتاريخية التى جعلت من أوليا جلبى صاحب أهم رحلة فى العالم الإسلامى فى القرن السابع عشر، وأكبر رحلة فى تاريخ الرحلات بشكل عام .

وقد جاء الجزء الخاص بمصر من هذه الرحلة متناسبا مع أهمية مصر ومكانتها فى الدولة العثمانية، وأيضا مع مكانة القاهرة بوصفها المدينة الثانية فى الدولة بعد العاصمة استانبول، من حيث الأهمية السياسية والحضارية. ولا يخفى أوليا جلبى  إعجابه بمصر فهى " أم الدنيا"، فهى " بلد عجيب غريب الأحوال والأطوار، جدير بالمعرفة والاطلاع".

ونحسبُ أن رحلة أوليا جلبى إلى مصر لا تقل أهمية عن كتاب وصف مصر الذى كتبة علماء الحملة الفرنسية فى نهاية القرن الثامن عشر، فالكتابين يمثل كل منهما عملا موسوعيا عن مصر فى قرنين متتاليين، الأول أبدعته رؤية مثقف عثمانى، والآخر أنجزته أقلام علماء فرنسيين، مع ملاحظةِ الاختلافِ بين ثقافة أوليا جلبى، وثقافة علماء الحملة الفرنسية، والهدف من الكتابة لدى كل منهما.

صوّرَ أوليا جلبى فى ثنايا كتابه، العمق الحضارى للقاهرة وعراقتها بوصفه الدقيقِ لعمائرها الضاربة فى القدم ومساجدها، ومدارسها، والتكايا والقصور والأسبلة التى تعبر عن روعة الحضارة الإسلامية وثرائها. وكانت هذه العمائر مزينة بالنقوش وهو فن برع فيه المصريون فوصف أوليا جلبى النقاشين بأنهم "فنانون يعادلون مانى وبهزاد من أساتذة الفن فى إيران  وتعجز أساتذة النقش فى سائر البلاد عن الإتيان بمثل نقشهم"

ويعكس لنا الأدب التركى تطور الحياة الاجتماعية فى مصر ،  ونتبين هذا من مقارنة ما دونه مصطفى عالى فى القرن السادس عشر و اوليا جلبى فى القرن السابع عشر وماكتبه عيدى زاده فى القرن الثامن عشر .ومن الطريف أن عيدى زادة صاحب النموذج الوحيد لأدب المقامات فى الأدب التركى  ضمن مقاماته واحدة باسم المقامة المصرية وحسب قوله انه أقام بالقاهرة وهو فى طريق عودته من الحجاز صحبة الركب المصرى. وقد وصف فيها أحوال مصر القاهرة فى مطلع القرن الثامن عشر، فيعرض جانبا من الواقع الاجتماعى والسياسى ويتكلم عن زيارته للحسين وخان الخليلى

ونلاحظ أن هناك موضوعات تكلم فيها كل من زار مصر من الرحلة العثمانيين، إذ يذكرون اسم مصر مقرونا بالقاهرة فيقولون مصر القاهرة. بل ان بعضهم كان يطلق على القاهرة اسم مدينة مصر ، وتذكر مصر باسم المصر والديار المصرية،مصر المحروسة  وايضا يذكر النيل بوصفه النيل المبارك وما ارتبط بذكره من احاديث نبوية ومن اساطير،  وذكر قصة فرعون وقصة سيدنا يوسف ونبى الله موسى عليه السلام.

أما الأهرام فتصفها الأدبيات العثمانية بأنها شيئ عجيب ، فيقول المؤرخ جنابى من مؤرخى القرن السادس عشر  فى وصف الأهرام" هى من عجايب البلدان وغرايب البنيان ، وقيل الهرمان مرقد الأرض وكل شيئ يخشى عليه من الدهر إلا الهرمان فإنه يخشى على الدهر منهما ثم ينظم الشعر فى وصفها فيقول:

حسرت عقول اولى النهى الأهرام

واستصغرت لعظيمها الأحلام

___________

 أستاذ الدراسات التركية بجامعة عين شمس


© 2016 MISIRkultur.net - ALL RIGHTS RESERVED