مصر.. المكان والمكانة
أحمد عبده طرابيك



    كانت مصر ومازالت أرض الكنانة، لها من المكانة ما جعلها تتفرد بمزاياها الفريدة بين سائر البلدان، ليس ذلك مديحاً في وطن نعتز به، بقدر ما لذلك من دلائل تشير إلي تلك المكانة؛ فمصر المتفردة بجغرافيتها وطبيعتها وسكانها، قد حباها الله بالكثير من فضائله ما جعلها تتبوأ تلك المكانة، لذا فقد جعلها الله موطناً للعديد من أنبيائه عليهم السلام، كما منّ علي شعبها بفضائل النعم .  

     لقد ورد ذكر مصر فى القرآن الكريم فى ثمانية وعشرين موضعاً، خمسة منها بصريح اللفظ وتسعة عشر ما دلت عليه القرائن والتفاسير، قال الله تعالى: "وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ" ( سورة البقرة ، آية 61 ) ، وقال تعالي "وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ" ( سورة يوسف ، آية 21 )، وقال جل جلاله " فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ" ( سورة يوسف ، آية 99 )، والموضع الرابع في قوله تعالي "وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ" ( سورة يونس ، آية 87 )، أما الموضع الخامس ففي قوله تعالي " وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ" ( سورة الزخرف ، آية 51 ) .

   وما جاء في كتاب الله تعالى عن مصر بشكل غير مباشر ، ففى قوله تعالى "قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ" ( سورة يوسف ، آية 55 )، والمقصود بخزائن الأرض هي مصر ، أو موارد مصر ، وقوله تعالي  " وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ" ( سورة القصص ، آية 6 )، والأرض فى هذه الآية هى مصر وقد ذكرت فى عشر مواضع باسم الأرض فى القرآن كما ذكر عبدالله بن عباس . " وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ " ( سورة القصص ، آية 20 ) ، و " المدينة " هي مصر ، حيث كان يعيش موسي عليه السلام .  

    أما ما روى عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فى ذكر مصر ، قوله صلى الله عليه و سلم " ستفتح عليكم بعدى مصر فاستوصوا بقبطها خيراً فإن لكم منهم ذمة ورحما" رواه مسلم، والرحم هنا المقصود بها السيدة هاجر أم إسماعيل عليه السلام أبو العرب ، وقوله صلى الله عليه و سلم " إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا بها جنداً كثيفاً فذلك الجند خير أجناد الأرض، قال أبو بكر لمَ يا رسول الله؟ قال لأنهم وأزواجهم فى رباط إلى يوم القيامة " .  

   لذلك ليس من الغريب أن يكون جيش مصر وما يواجهه من تحديات، هو جزء من التحديات التي يواجهها العالم الإسلامي؛ فالجيش المصري يمثل القوة الصامدة أمام العواصف العاتية التي تعصف بمنطقتنا العربية، بعد المؤامرات التي حيكت للعديد من الجيوش العربية القوية وفي مقدمتها الجيش العراقي والسوري، ولكن الرباط، أي الاستعداد، وإعداد العدة والعتاد، واليقظة التي يتمتع بها الجيش المصري، كما وصفها الرسول الكريم -صلّى الله عليه وسلم- هي العلامة المميزة للجيش المصري، إضافة إلي ما يتميز به شعب مصر من وحدة وتكاتف وانسجام بين جميع مكوناته بمختلف انتماءاتهم الدينية والفكرية والثقافية .        

   تلك المكانة فرضت على مصر مسئولية كبيرة تجاه محيطها العربي والإسلامي، لذلك فقد شكلت حائط الصد المنيع، والصخرة التي تحطمت عليها أطماع الغزاة، الذين سعوا وراء شهواتهم المتطرفة الحاقدة علي عالمنا الإسلامي، فأعد الصليبيون عدتهم وجاءوا للسيطرة علي مقدسات الأمة ونهب ثرواتها، ولكن مصر كانت لهم بالمرصاد، وكذلك فعلت بالمغول عندما اجتاحوا المشرق الإسلامي ونهبوا وعاثوا في الأرض فساداً فكانت مصر هي الصخرة التي تحطمت عليها كل أطماعهم .      

     لم يبتعد المكان كثيراً عن مكانة مصر، فالمكان الذي ارتبط بنهر النيل، والمكان الذي كان ومازال الجسر الذي يربط بين الشرق والغرب، والمكان الذي كان بمثابة البوتقة التي انصهرت فيها أعرق الحضارات، لتصنع تاريخ مصر وحضارتها العريقة علي مر العصور ، ولذلك فلا عجب أن تكون مصر التي نراها اليوم بمكانها ومكانتها هي نتاج تلك الحضارات وتجارب السنين التي صقلت الإنسان المصري بخبرتها وتجاربها ، ليكون صامداً أمام الرياح العاتية، وتقلبات التاريخ . 


© 2016 MISIRkultur.net - ALL RIGHTS RESERVED