من معالم التجديد في الدراسات القرآنية.. "عمر القاضي" سفير القرآن
د. أحمد علي سليمان



من معالم التجديد في الدراسات القرآنية

"التفسير المنير" للدكتور/عمر القاضي سفير القرآن للغرب (أنموذجا)

لعل من أبرز الدراسات القرآنية في العصر الحديث التي تعرضت بالقراءة التجديدية المنضبطة لكتاب الله الخالد  (التفسير المنير ومعالجة قضايا المجتمع من خلال القرآن الكريم) لفضيلة الدكتور عمر مختار القاضي الذي وقف حياته على طلب العلم ونشره وتعليمه، وكان من الراسخين في العلم والدين..نذر نفسه للدفاع عن الإسلام، فلقد سخره الله لتفنيد شبهات الأعداء،والمضللين؛ إذ حباه ربه بالمواهب والفراسة العقلية والتعبيرية التي أمكنته من الكشف عن دقائق القرآن ونشرها، وتقديم البراهين المنطقية السليمة على صدقه، بما يناسب عقلية الغرب وجموع المسلمين.. وربى تلامذته على الالتزام بالدين؛ ليظل الإسلام حاضرًا في كينونة المسلم.. كان قلمه يفور بأسرار الإيمان، ويتفطر فؤاده بالأفكار والرؤى الإصلاحية والتجديدية.. مَن تشرف بالقرب منه يجده منجم أفكار إيمانية، متجددا بالعطاء، منفوحًا من الله الوهاب، عاش بالقرآن ومع القرآن وللقرآن، كان منهجه في الحياة ينطلق من قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حينما سئل: عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟، قال: (تقوى الله وحُسْن الخلق)(أخرجه ابن حبان)، فتمثل حُسْن الخلق في كل حياته.. صحبته نحو عشرين عامًا؛ فلم أسمع منه لفظة خارجة، أو كلمة نابية، أو حديثا في حق أحد إلا بالخير... وعندما تسلط ناظريك إليه تجد في وجهه البساطة والأصالة والحياء، وتجد نفسك أمام رجل.. رجل من الذين قال الله فيهم ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ...﴾ (الأحزاب: 23)، يخرج على الناس كعادته بسمو أخلاقه وتواضعه.. مؤتلق الجبين مشرق الوجه بسام المحيا، وتشعر أنه صديق للوجود كله..

ومن حسن حظه أن الله تعالى مكنه من إجادة اللغات: الفرنسية والإنجليزية والإيطالية، ودرّسّ بالفرنسية العلوم الإسلامية (الفقه الإسلامي- أصول الفقه - تفسير القرآن - الاستشراق- علم مصطلح الحديث- الدعوة الإسلامية – الإعلام الإسلامي) في قسم الدراسات الإسلامية باللغة الفرنسية بكلية اللغات والترجمة جامعة الأزهر نحو عقد من الزمان.

وقد تعرفت على الراحل في رحاب الأمانة العامة لرابطة الجامعات الإسلامية عام 1999م، ومنذ ذلك الحين وهو نعم الأب والمعلم والصديق.. وهب نفسه وحياته كلها لله، لم يعبأ بأي وقت كان يؤديه لله، أو في خدمة الناس، وكان (رحمه الله) ينثر فينا الأمل، ويبشر طلابه ومريديه بمستقبل مشرق واعد، وكان بطيب خلقه قادرًا على بعث الهمم الهامدة، وكان مُعينا ثرًّا للخير، بل بحر زخار في عطائه وفضله وحلمه وتواضعه وسمو خلقه، ونحسبه -والله حسيبه- من العباد الزهاد الذين إذا أقسموا على الله أبرّهم الله تعالى..

 والمدقق فيما تركه الدكتور عمر من علم نافع يلحظ موسوعية الطرح، وعمقه، وطروحاته التجديدية التي تدل على عالم فذ حمل مسئولية أمانة الكلمة وقدسية الحرف السامي المضيئ ليظهرها للعالم أجمع، فكتب وألف وصنف بالعربية والفرنسية والإنجليزية مؤلفات رصينة عن: الرأي والعقيدة في الإسلام- فن النحت وصنع التماثيل من وجهة نظر إسلامية - والتصنيف الموضوعي المعاصر لآيات القرآن الكريم أيده بالسنة النبوية وزينه بالتفسير وقارنه بالمفاهيم الإنسانية السائدة. وكتب بالفرنسية عدة كتب ودراسات، منها: الشريعة الإسلامية والقانون: تبديد الالتباسات - تقرير عن القانون المصري الخاص بالطفل - حق الطفل المهجور في القرابة والعلاقات الأسرية - مفهوم المواطنة في الشريعة الإسلامية - الإسلام والقانون - التقريب بين المذاهب الشرعية والقانونية في ظل الإسلام - مدخل معاصر إلى علم أصول الفقه الإسلامي - جودة التعليم ومستقبل الدراسات الإسلامية - منهجية التقنين الإسلامية والوضعية - أصول المعارف الإنسانية دراسة مؤسسة على القرآن الكريم والمفاهيم العالمية. وكتب بالعربية: إحياء الاجتهاد في الثقافة الإسلامية - دور وليّ الأمر في التعامل مع الخلافات الفقهية - معايير العلاقات الدولية في الإسلام- الاجتهاد ضرورة للتقريب بين المذاهب الإسلامية- القرآن الكريم والمستشرقون: رؤية واقعية - السنة المطهرة وقضايا المجتمع المعاصر- الفقه المقارن وقضايا المجتمع المعاصر- الشريعة والقانون والمجتمع المعاصر...

ويعد مؤلفه الخالد (التفسير المنير ومعالجة قضايا المجتمع من خلال القرآن الكريم) الذي أخذ من عُمْرِ مؤلفه عشر سنوات، من العلامات التجديدية المضيئة في العصر الحديث.. وهو تفسير رائع يشرح أحكام القرآن على ضوء قضايا الإنسان المعاصر، ويهتم بمعالجة الشكوك التي تشوش فكر غير المسلمين عند الاطلاع على بعض آيات القرآن الكريم، ويدحض الشبهات التي يثيرها الجاهلون بحقيقة الإسلام. وقد جمع فيه 185 قضية من القضايا التي يثيرها الغرب ضد الإسلام وعالجها بالعقل والمنطق والمنهجية العلمية، الأمر الذي أسهم في إقبال كثير من الباحثين في الغرب على دراسة الإسلام وإجلاله واحترام رسوله (صلى الله عليه وسلم)، ويبرز أيضا الدلالات العلمية والبراهين المثبتة لصدق النبوة.

 لقد ناقش هذا التفسير –الذي كنت شاهدا على شتى مراحل تجهيزه وطباعته ونشره- مسائل عقدية واجتماعية وفلسفية وتشريعية بالمنهج العقلي الذي يقبله المسلمون وغير المسلمين، وعالجها ليس في حدود ما تستثيغه ثقافة المسلم المعاصر فحسب، ولكن في إطار أفق واسع يسمح لعقلية غير المسلمين في الشرق والغرب باستيعاب حلول تلك القضايا، وما يتعلق بها من تفسيرات وشروح، وبذلك حقق هذا التفسير -إلى حد بعيد-، ما طمح إليه مؤلفه من تقديم فكرة جلية عن الإسلام بعيدًا عن كل خلط والتباس من خلال خاتم الكتب السماوية (القرآن الكريم) كتاب الله المبارك الذي ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾.

وهذا التفسير اهتم بعرض الشبهات المعاصرة وعالجها في حيز مستقل حتي لا تختلط بتفسير النصوص، ذلك لأن القضايا ومعالجتها تعبّر عن فكر إنساني، بينما تفسير النصوص أقرب إلى بيان إرادة المشرّع ومقاصده، وتبدو قيمة هذا العمل أيضًا في إيجازه مع عمق ما يحمله من أفكار وإيضاحات وشروح، فقلم الراحل لم يتعرّض بالشرح إلا لما كان بحاجة إلى تفسير من كلمات وآيات، وهكذا خرج التفسير في حدود 600صفحة وهو حجم نموذجي يتناسب مع متطلبات القارئ المعاصر من مختلف المستويات الثقافية، فيكون مؤهلا في المستقبل إلى الترجمة باليسر المناسب للدعوة إلى فهم الخطاب القرآني، لينقل ما يحمله من شروح وإيضاحات وأفكار إلى المجتمعات المسلمة غير الناطقة بالعربية، وإلى المسلمين وغير المسلمين في المجتمعات الغربية التي حرص الفقيد الراحل على أن يوليها رعاية خاصة في مجال عرض العلوم الشرعية والمعرفة الإسلامية.

وهكذا ركز التفسير على عرض القضايا الإيمانية والفكرية والاجتماعية المهمة التي قد يُستغلق فهمها على القارئ غير المتخصص في علوم الإسلام، مبرزًا تلك القضايا والشبهات التي تثار، وعمد إلى تحليلها وتفكيكها ورفع ما قد يلتبس على الفهم، وتبديد ما قد يشوب الفكر من شكوك، مستهدفًا تبسيط الشروح والمفاهيم القرآنية حتى تكون ميسورة للمسلمين الجدد ولغير المسلمين ولعامة القراء، وأبان التطبيقات العملية للأحكام الفقهية على ضوء ظروف الحياة المعاصرة، والبراهين التي ساقها التقدم العلمي في حياتنا المعاصرة؛ لتكون شاهدة على صدق آيات كتاب الله العزيز.

وقد فقدت الأمة العربية والإسلامية هذا العالم الجليل فضيلة الدكتور عمر مختار القاضي يوم الثلاثاء 12 ربيع الآخر 1438هـ الموافق 10 يناير 2017م الذي كان وبحق عالمًا جليلا، وأستاذًا عظيمًا، ومفسرًا نبيهًا من مفسري كتاب الله الخالد، وكان سفيرا للقرآن الكريم في الغرب.

وكان (رحمه الله) يعلمنا أن الاجتهاد هو الطريق الأول للتجديد، وكان دائما يعلمنا الإحسان والإتقان، وكان آخر ما كتبه الراحل الكريم وكأنها وصية لكل المسلمين: "لا تعامل الناس في العواطف بمقياس البيع والشراء ولا بميزان الربح والخسارة، بل عاملهم بالكرم والجود.. اجعل مَن يراك يتمنى أن يكون مثلك، ومَن يعرفك يدعو لك بالخير، ومَن يسمع عنك يتمنى مقابلتك، فمَن تعطر بأخلاقه لن يجف عطره.. قيل ليوسف في السجن..!!،" ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وقيل له وهو على خزائن مصر ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ذلك أن المعدن الطيب لا تغيره المناصب ولا المصائب، فكن محسناً حتى وإن لم تلق ٳحساناً من الناس..كن محسنًا ليس لأجلهم..!! بل لأن الله يحب المحسنين".

* الدكتور/ أحمد على سليمان

عضو المكتب الفني بالهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد

عضو مكتب جامعة الأزهر للتميز الدولي

ahmedsoliman999@hotmail.com


© 2016 MISIRkultur.net - ALL RIGHTS RESERVED