جانب من أهمية مصر للاقتصاد العثماني
أ.د. ماجدة مخلوف



مثلت الإرسالية السنوية التي ترسلها مصر إلى استانبول في كل عام عنصرا أساسيا في موارد الدولة، ولنا أن نقول إنها كانت أكبر إرسالية في الدولة العثمانية.

وكانت تعرف باسم الساليانة. وهذه الإرسالية عبارة عن الفائض من إيرادات مصر من الجمارك والجزية والأرض والضرائب الشرعية والعرفية، وبعد سداد كافة المصروفات الخاصة برواتب العسكريين ومصاريف الحرمين الشريفين، بحيث لا يقل الفائض عن مبلغ محدد، وبلغت قيمة هذه الإرسالية في البداية ثمانية أحمال ذهبية ثم تحددت بعد ذلك بمبلغ يتراوح بين أربعمائة الف وخمسمائة ألف قطعة ذهبية. ومع ظهور الأزمة المالية في الدولة العثمانية في القرن السابع عشر، واصلت الدولة ضغوطها على مصر ورفعت الدولة قيمة هذه الإرسالية إلى ستمائة الف قطعة ذهبية. وفي عهد عباس باشا بن محمد علي، رفع خراج مصر من ستين ألف كيس إلى ثمانين ألف كيس. وعرفت المالية العثمانية تعبير الكيسة المصرية وتعادل ستمائة قرش، وارتبط هذا الاصطلاح بمصر وحدها.

وتمثل هذه الأموال السنوية التي تؤخذ من إيرادات مصر الاحتياطي المالي للدولة. ومنها تسدد مصاريف السلطان الخاصة والمعروفة باسم (الجيب السلطاني) واحتياجات القصر والديواني الهمايوني واحتياجات الدولة الطارئة التي لم تدرج في الموازنة. وكان السكر والحبوب مثل الأرز والعدس المستخدم في المطبخ السلطاني كلها تُرسل من مصر.

ويسدد قسم من الساليانة بشكل عيني يلبى حاجة الدولة من الحبوب والبارود والنحاس ومستلزمات الإسطول والترسانة العثمانية وبناء القلاع وإصلاحها وإنشاء الأبار على طريق الحج.

وقد أشتهرت في مصر عدة صناعات منها صناعة السكر، والنشادر، وملح البارود الذي يصنع منه البارود الأسود، ومعدن النطرون، وهذه الصناعات يجرى تصديرها إلى استانبول، فكان ملح النطرون يصدر لصناعة الزجاج، والسكر يُرسل من القاهرة إلى الخاصة السلطانية في استانبول، أما ملح البارود المصنوع في مصر كان يجرى تصدير ثلاثة آلاف قنطار منه إلى مركز الدولة حسب القانون.

وكانت لوازم المطبخ السلطاني تنقل من مصر وهي عبارة عن خمسمائة ألف أردب من الأرز، وألفي قفص سكر، ومائتي ألف أردب من العدس، ومثلها من الحمص، والخيار شنبر، والليمون البنزهير، والتمر الهندي، وماء الورد، فضلا عن المعاجين والمربات والمشروبات الطبية التي ترسل خصيصًا لكبار رجال الدولة والخاصة السلطانية، وتحمل كل هذه اللوازم على خمسين سفينة لنقلها من الإسكندرية إلى استانبول، ومن أشهر ما أرسل من الأدوية التي تصنع في مصر الترياق الفاروقي المصنوع في مستشفى قلاوون، وكان يرسل إلى السلطان العثماني، والصدر الأعظم وشيخ الإسلام في استانبول. ولم يخف الرحالة العثماني أوليا جلبى دهشته لطريقة صناعة الترياق الفاروقي الذي اشتهرت به القاهرة؛ إذ قال: "إن من لم يذهب إلى مصر ويشاهد عمل الترياق الفاروقي فكأنه لم ير شيئًا عجيبًا في الدنيا".

وكان الأتراك يجلبون الحبوب والقهوة والبهار من الهند وجنوب آسيا إلى مصر ومنها إلى اسطنبول عن طريق البحر الابيض المتوسط، ولهذا سمى سوق البهار  باسم السوقُ المصريّ في اسطنبول وهو جزءٌ لا يتجزأ من الحضارة التركيّة والثقافة العثمانيّة القديمة. تمّ بناء السوق في عهد السلطان مراد الثالث في عام 1597م، وظلّ المركز الرئيسيّ لتجارة التوابل في تركيا بشكلٍ عام وفي اسطنبول بشكل خاص.

وقد اعتمدت العملة العثمانية على الذهب والفضة، فأنشأت في القاهرة دارا لسك العملة العثمانية من الذهب خالصة العيار. كما أنشئ فيها دار لصناعة السفن في ميناء بولاق تضم مالايحصى من الآلات والمعدات والخامات والأخشاب اللازمة لصناعة السفن.

وهكذا نرى أن مصر كانت مصدرًا اقتصاديًّا حيويًّا للدولة العثمانيّة، فضلا عن أهميتها الاستراتيجية وتاريخها الحضاري العريق.


© 2016 MISIRkultur.net - ALL RIGHTS RESERVED