الترجمة ودورها في التواصل الثقافي
د. طارق عبد الجليل



الترجمة ودورها في التواصل الثقافي

د. طارق عبد الجليل

***

تعد اللغة بالنسبة لكل شعب من الشعوب خزائن ثروته التاريخية والحضارية، وعصارة نتاجات مفكريه وفلاسفته، فضلا عن كونها الوعاء الحاضن لسمات المجتمع الثقافية. ومن ثم فلا  يمكن تحقيق التواصل بين المجتمعات إلا من خلال سبر أغوار القيم الثقافية التي أنتجها كل شعب وتناقلها عبر الأجيال؛ مع الأخذ في الاعتبار أن تعلم قواعد وكلمات لُغة ما غير كاف أبدًا لتحقيق ذلك التواصل.

وثمة علم يضطلع بهذه المهمة هو علم الترجمة، والشخص الذي يؤدي ذلك هو المترجم. ويتوقف نجاح المترجم في هذه المهمة على قدرته على التمييز بين تلك الاختلافات الثقافية، ومهارته في صهر الحواجز بين ثقافات الشعوب.

في ضوء ما تقدّم، وإيمانًا من مركز مصر للعلاقات الثقافية والتعليمية باسطنبول بأهميّة الترجمة في التواصل بين الشعوب؛ فقد نظَّم المركز مؤتمرًا بعنوان «إشكاليّات الترجمة بين التركيّة والعربيّة وطرق مُعالجتها»، في 20 أبريل 2017م، وذلك بالتعاون مع قسم علم الترجمة بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة أوكان التركية الخاصة. وكان الهدف من المؤتمر تشجيع شباب الأكاديميين العاملين في مجال الترجمة بين التركية والعربية، ورصد إشكاليات الترجمة بين اللغتين، ومحاولة وضع طرق لمعالجتها.

وكما نعلم، فالترجمة -بكافة أنواعها- تُعد أداة في غاية الأهميّة في التواصل الثقافي والعلمي والتاريخي بين الشعوب. ولابد لنا –هنا- أنْ نذكر أنَّ اللغة التركية وآدابها دُرِّستْ في أول جامعة تأسَّست في مصر، وهي جامعة الملك فؤاد الأول –جامعة القاهرة حاليًا-، وقد اضطلع بهذه المهمة الشاعر والمفكر التركي الكبير محمد عاكف أرصوي.

وفي السنوات الأولى لتأسيس جمهورية مصر العربية، صدر قرار جمهوري بتأسيس قسم اللغات الشرقية وآدابها في كلية الآداب جامعة عين  شمس. ومع مرور الوقت، زادت أهميّة أقسام اللغة التركية وآدابها في الجامعات المصرية، واقترب عددها اليوم من العشرين قسمًا في جامعات مختلفة. وتخرج في تلك الأقسام آلاف الشباب الذين يعرفون اللغة التركية، وتم إعداد مئات الدراسات الأكاديمية الخاصة بالأدب والتاريخ والثقافة التركية، وتُرجمت العديد من الأعمال التركية إلى العربية. وللمركز القومي للترجمة في مصر دور كبير في هذا التواصل؛ حيث ترجم ونشر عددًا كبيرًا من الكتب الأدبية والفكرية التركية إلى العربية.

ومن المسلَّم به أن الترجمة تلعب دورًا مهمًّا ومؤثرًا في تعزيز العلاقات بين الشعوب. وتجدر الإشارة –هنا- إلى أن النصف الأول من القرن العشرين شهد حالة من الفتور في التواصل الثقافي بين الشعبين التركي والعربي، توارى فيها دور الترجمة بشكل مباشر، وراح كل طرف -خلال هذه المرحلة العصيبة- يستخدم لُغة وسيطة كالإنجليزية والفرنسية من أجل متابعة الطرف الآخر؛ وهو ما أفضى إلى ظهور وجهات نظر وأفكار سلبيّة مازلنا نعاني منها حتى يومنا هذا.

وفي الختام، أرى أن ثمة فائدة في التذكير بأن العلاقات الثقافية تُمهد أرضيّة صلبة وقويّة لتأسيس العلاقات في المجالات الأخرى، وأن الترجمة تلعب دورًا أساسيًّا في معرفة بعضنا بعضًا، وتعريف بعضنا إلى بعض، والتواصل مع بعضنا بعضًا.


© 2016 MISIRkultur.net - ALL RIGHTS RESERVED