التربية الإعلامية ومجابهة مظاهر الاختراق
د. أحمد علي سليمان



الإعلام الجديد الذي انتشر انتشار النار في الهشيم في العقد الأخير، فرض تحولات كبرى، وأحدثَ طفرات ليس لها حدود في مجال الإعلام، وأصبح  بإمكان كل مَن يمتلك حاسبا آليًّا أو جهاز موبايل متصلا بالشبكة العنكوبية – بغض النظر عن تكوينه أو تدريبه أو خبرته الإعلامية- أن يكون قادرًا على بث ما يريد، ومؤثرا في الآخرين سواء أكانت الرسالة المبثوثة منه تحمل مضامين سلبية أم إيجابية، ومن هنا منبع الخطر، إذ تفقتد عناصر المنظومة الإعلامية الشروط اللازمة لجودة الأداء الإعلامي وتحقيق المهنية والحرفية المطلوبة، بدء من المدخلات، مرورا بالعمليات، وانتهاء بالمخرجات، والتغذية الراجعة ومعرفة مدى تحقيقها للهدف منها.

ومما يؤسف له أن هذه الرسالة العفوية يُكتب لها الانتشار الواسع  بفضل آليات الإعلام الجديد، وبالتالي التأثير على قطاعات كبيرة.

 إن نصيب الجيل الحالي من تأثيرات وسائل الإعلام في تكوين ثقافته، وتحديد أنماط سلوكه، وإكسابه المفاهيم والقيم والعادات والاتجاهات في تزايد كبير؛ نظرًا لتقدم تقنية الاتصالات والمعلومات وهذا أمر جيد لكن في ظل الفوضى السائدة في المجال الإعلامي الخارجي، ربما تتأثر بالسالب أخلاقيات الشباب المسلم. لقد فقدت الدول السيطرة الكاملة على البث المباشر، وفقدت قدرتها على التصدي للبث الإعلامي الخارجي بما يحمله من غزو ثقافي أجنبي، ولم يعد بإمكانها التحكم في وسائل الإعلام التقليدية والجديدة، ومن ثم لابد من تربية الضمير لدى النشء والشباب .أما التفاوت في القدرات الإعلامية بين الدول المتقدمة والدول غير المتقدمة فحدث عنه ولا حرج، وقد أدى إلى سيطرة الدول المتقدمة وتمكينها من تشكيل وعي الشعوب المغلوبة على أمرها، بثقافة الاختراق بشتى مظاهرها الفكرية والسلوكية، ومن بينها مشاهد العنف التي تولد العنف وتربي أجيالا على انتهاجه ومن ثم ينشأ السلوك الإرهابي، كما يسهم بعضها في ترويج الشائعات والأفكار العنصرية، وتيسير الجرائم وتجارة الدعارة، وتسهيل الوصول إلى ممتهنيها، وترسيخ الأنشطة المحرمة التي تحملها العقائد الفاسدة، والتشكيك في الثوابت الدينية والحضارية، وزعزعة الأمن الفكري والعقدي للشعوب المغلوبة على أمرها، فضلاً عن نشر ثقافة القوى الغالبة والتمكين للغتها وآدابها، ومن ثم تترك بصماتها على سلوك الشباب المسلم، وتدفعهم إلى التصرفات غير المسؤولة والأعمال العدوانية بفعل غريزة التقليد والمحاكاة للغالب.

وأمام هذه التحديات يشعر كثير من الخبراء أنه ربما تنزوي فعالية الخطط الدعوية وتتوارى! ذلك أن الخطط الإصلاحية التي تتوجه إلى الفكر الواعي في الإنسان وتنشر السلام والمحبة بين الناس، تفتقد الآن الإرادة الصلبة، والعزيمة القوية، والتنسيق الكامل، والإمكانات المادية، والوسائل التقنية الحديثة، والكوادر المؤهلة والقادرة على حمل دعوة الخير ونشرها للناس في مشارق الأرض ومغاربها. ولذا تبرز أهمية وضرورة تدارس سبل تحقيق الأمن الثقافي والتربوي والإعلامي من خلال التوسع في نشر مناهج وبرامج التربية الإعلامية في المؤسسات التربوية والثقافية والإعلامية، وتمكين الموهوبين من الشباب من الظهور في وسائل الإعلام حتى يصبحوا قدوة ومؤثرين عالميًّا.

ولمواجهة المخاطر السابقة فإنني أهيب بالأزهر الشريف ومؤسساتنا الثقافية والتربوية والإعلامية التنسيق من أجل صياغة استراتيجية تربوية إعلامية ثقافية موحدة للعالم الإسلامي؛ تسعى للحفاظ على هوية المسلمين، ومواجهة التطرف والإرهاب والإلحاد والحفاظ على معطياتنا الحضارية والثقافية وتوجهاتنا التربوية، وإعادة بناء منظومة القيم من خلال التربية الإعلامية بشقيها (تربية المتلقي على عمليات الفرز والانتقاء، وتربية المرسِل على بث الرسالة النافعة للناس) وبما يسهم في تكوين الجهاز المناعي والحصانة الفكرية والثقافية للشباب المسلم.

وفي النهاية أؤكد أننا نحتاج إلى مقررات في التربية الإعلامية لتقوية الجهاز المناعي والحصانة الفكرية والسلوكية لشباب الأمة لمواجهة أساليب الاختراق وتحديات الإعلام الجديد، وأدعو إلى الاستخدام الرشيد لمواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من وسائل الإعلام الجديد، وعدم إضاعة الوقت أمامها، وتوظيفها في نشر العلم النافع والثقافة التي ترسخ الجانب الإيماني والاجتماعي، وجعلها ساحة لنشر دعوة الخير والمحبة والسلام في كل مكان، وبالله تعالى التوفيق.

·         عضو المكتب الفني بالهئية القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد


© 2016 MISIRkultur.net - ALL RIGHTS RESERVED