التعليم في الدولة العثمانية






يتناول الكتاب الذي نعرض له والمسمى "التعليم في الدولة العثمانية من ظهور الدولة حتى وفاة  السلطان سليمان القانوني دراسة لدور المدرسة في ضوء المصادر التركية" لمؤلفه الدكتور أحمد عبد الله نجم والذي صدرت طبعته الأولى بالقاهرة  في عام 2009م عبر أبواب ثلاثة ومدخل وتمهيد بالتحليل والدراسة واحدة من أكثر القضايا التي أهُملت ولم تحظ بالبحث العميق في الكتابات والدراسات العربية وهي قضية التعليم في الدولة العثمانية، مع أن التعليم في العهد العثماني هو في النهاية جزء لا يتجزأ من تاريخ التعليم والتربية في العالم الإسلامي؛ بحيث يشكل هذا الموضوع أهمية كبيرة في فهم التاريخ العثماني واستيعابه في مجمله، وفي تعيين مكانة ذلك الإسهام العلمي والفكري الذي قدمه العثمانيون بشكل عام داخل إطار العلم والفكر في العالم الإسلامي.

وفي هذا الشأن يمكن القول إن دراسة إحدى مؤسسات التعليم في الدولة العثمانية وهي المدرسة العثمانية ودورها في الحياة العلمية والفكرية يعد أمرًا بالغ الأهمية؛ فقد كانت المدرسة العثمانية مؤسسة حضارية ذات طابع خاص؛ إذ إنها قد أعدت لتخرج أجيالاً تحمل الفكر الإسلامي في داخلها، وتسير على مفاهيمه ونظرياته، وتؤدي دورها في المجتمع العثماني. كما أن المدرسة العثمانية قد لعبت دوراً بارزاً في تشكيل عقل الدولة العثمانية ووعيها، وصاغت الكتب التي كانت تدرس فيها توجه الدولة الدينيّ والفكريّ معاً لفترة طويلة. ولعل ارتباط المدرسة العثمانية بالأوقاف التي كفلت لتلك المدارس حرية الحركة والاستقلالية العلمية والتي مكنت تلك المدارس من أداء دورها على الوجه المرجو قد جعل المؤلف يتناول فكرة الأوقاف وتطبيقاته في الدولة العثمانية بشكل مفصل بحسبانها تمثل التجسيد الأروع لمفهوم المجتمع المدني في الحضارة الإسلامية. وتناول المؤلف في كتابه أيضًا العلاقات العلمية المتبادلة بين الدولة العثمانية ومصر والتي تمثلت في توافد عدد كبير من الطلاب والعلماء العثمانيين للدراسة بالأزهر الشريف ليبرز مدى الصلة والروابط بين المؤسسات العلمية القائمة في العالم الإسلامي في ذلك الوقت.

وهذا الكتاب الذي عرضنا له في هذه الأسطر كان في الأصل أطروحة علمية حصل بها المؤلف على درجة الدكتوراه قد استطاع من خلال المصادر العربية والتركية الأصيلة التي اعتمد عليها المؤلف أن يقدم دراسة جادة بشكل واعٍ غير متحيز ليس فيه تلك النظرة المتحيزة ضد كل ما قامت به الدولة العثمانية، وليس فيه التعصب لكل ما أنتجته الدولة العثمانية. والكتاب على هذا النحو يمكن أن يسهم إلى حد بعيد في فهم التاريخ العثماني بشكل عام، والتاريخ الحضاري لتلك الدولة بشكل خاص، وقد يساعدنا على استلهام العبر والفوائد المرجوة من دراسة تاريخ تلك الدولة التي شغلت حيزًا بالغ الأهمية طوال ستة قرون.


© 2016 MISIRkultur.net - ALL RIGHTS RESERVED