حكاية مصر وبلاد السودان في العصر العثماني






يتناول هذا الكتاب تقييمًا شاملاً عن العلاقات المصرية بدول حوض النيل في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، وبذلك يسد ثغرة مهمة في الكتابات المتعلقة بدراسة تاريخ العلاقات المصرية وتعميقها إلى ما قبل أسرة محمد علي، والأطروحة المركزية للكتاب تجيب عن عدة أسئلة، أهمها: سبب أو أسباب عدم تطرق مؤرخي العصر العثماني إلى الحديث أو الإشارة إلى التجارة بين مصر وبلاد السودان خلال الفترة، وذلك على الرغم من أن مؤرخي العصور الوسطى والرحالة العرب قد اهتموا بالحديث عن علاقة مصر التجارية ببلاد السودان في زمنهم. فهل لم تكن علاقة مصر التجارية ببلاد السودان على قدر كبير من الأهمية مما جعلهم لا يهتمون بالحديث عنها؟ أو أن الأحداث السياسية التي كانت تمر بها مصر أهم في نظرهم من الحديث عن هذا الجانب ؟!

يعد هذا الكتاب الخارج عن مضمون بحث من الدراسات التي تميزت بالجدة والأصالة؛ فقد استعان المؤلف بالكثير من مصادر البحث التي تنوعت بين الوثائق المنشورة وغير المنشورة والمراجع العربية والأجنبية، مما يمثل ثَبتًا هائلاً أمد المؤلف بمرجعية هائلة واستفاد منها بشكل جدي في الكتابة، وقد فندها المؤلف على الشكل التالي فيقول: "اعتمدت هذه الدراسة بشكل أساسي على الوثائق غير المنشورة المحفوظة بدار الوثائق القومية، والمتمثلة في سجلات المحاكم الشرعية. وهنا يجب الإشارة إلى الصعوبات التي واجهت الباحث بسبب ندرة المادة العلمية الخاصة بالدراسة؛ فقد أشرنا في البداية إلى عدم تناول مؤرخي العصر العثماني المعاصرين للفترة هذه بأي شكل من أشكاله، وكلفنا هذا تتبع وحدات أرشيفية كاملة علنًا نجد وثيقة تتعلق بموضوع البحث. كما اعتمدت الدراسة على بعض المصادر العربية الخاصة بمؤرخي العصر العثماني لإبراز الوضع السياسي والاقتصادي لمصر؛ حيث كان الوضع السياسي عاملاً مؤثرًا على حجم المبادلات التجارية بين مصر وبلاد السودان".

أرجع المؤلف السبب الرئيس في اختيار القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين ليكونا المدى الزمني الذي يعزو إليه دراسته، إلى رغبته في أن يكون البحث مكملاً لعمل تيرنس ولز الذي تناول العلاقات التجارية بين مصر وبلاد السودان بداية من القرن الثامن عشر حتى عام 1820م، وبذلك تتضح لنا صورة العلاقات التجارية بين مصر وبلاد السودان خلال ثلاثة قرون من حيث تطورها ما بين الازدهار والتدهور، الصعود والهبوط، وتأثيرها على الوضع الاقتصادي لمصر خلال العصر العثماني.

يقع هذا الكتاب في 480 صفحة، في شكل خمسة فصول، ألحق بها المؤلف كل المصادر والوثائق التي اعتمد عليها في صياغة بحثه، مهد المؤلف لكتابه وأبرز ما كانت عليه العلاقات التجارية بين مصر وبلاد السودان منذ عصر ما قبل التاريخ، وحتى نهاية العصر المملوكي.

جاء الفصل الأول يوضح مفهوم بلاد السودان من العصور الوسطى، وحتى فترة الدراسة، مع ذكر المالك التي اشتملت عليها بلاد السودان، كما تناول الطرق التجارية التي ربطت مصر ببلاد السودان، موضحًا المحطات المهمة التي كانت تتوقف عندها القوافل. بالإضافة إلى توضيح كيفية إعداد وتنظيم القوافل التجارية بداية من شراء البضائع والسلع، وحتى إتمام الرحلة التجارية، مع توضيح المخاطر والمشكلات الطبيعية والبشرية التي كانت تتعرض لها القوافل.

ناقش عبده في الفصل الثاني مجتمع التجار على أساس أن العنصر البشري هو المحرك الأساسي والفعال في الحركة التجارية والتبادل التجاري، وبدونه لا يوجد تبادل تجاري وتم تقسيم التجار على أساس طبيعة عمل كل مجموعة، فكان هناك التجار السفارون الذين تخصصوا في التجارة مع السودان الغربي والأوسط، والذين كانت غالبيتهم من المغاربة على اختلاف انتماءاتهم المكانية. كما أبرز دور التجار الآخرين الذين شاركوا المغاربة في التجارة مع السودان الغربي والأوسط. كما أوضح دور الجلابة المصريين والسودانيين في التجارة مع السودان الشرقي وجلب الرقيق منه وغيره من البضائع. وقد ناقش هذا الفصل إشكالية بداية ظهور منصب شيخ طائف الجلابة.

أما الفصل الثالث فقد سلط المؤلف الضوء على شكل الصادرات والواردات؛ حيث تمثلت الصادرات المصرية إلى بلاد السودان في الأقمشة والمنسوجات، والودع، والخرز، والمرجان، والعقيق، والمسابح والعقود، والنحاس، وغيرها من البضائع، مع إبراز أهمية كل منها بالنسبة لبلاد السودان. واشتملت البضائع الواردة من بلاد السودان على الذهب، والرقيق، والجمال، وريش النعام، والعاج، والتمرهندي، وغيرها من بضائع، موضحًا أهميتها للسوق المحلية المصرية، وكذلك أهميتها للسوق العالمية من خلال تجارة العبور.

ركز المؤلف في الفصل على تجارة الرقيق والذهب على أساس أنهما كانا البضاعتين الأكثر أهمية في الواردات المصرية من بلاد السودان؛ فالجزء الخاص بتجارة الرقيق يتناول الشكل التنظيمي والإداري للعمل داخل أسواق الرقيق، والمسئوليات التي تقع على عاتق كل مسئول داخل السوق، كما تناول التزام سوق الرقيق وتطوره. وأوضح طرق عرض الرقيق بالأسواق، وعملية شرائه وبيعه، والعيوب التي وجدت به، وأسعاره، وظاهرة هروبهم من مالكيهم. ويتناول الجزء الخاص بتجارة الذهب أسباب تدفقه إلى مصر بصورة كبيرة في أوائل الحكم العثماني لمصر، وتطور ووروده ما بين الصعود والهبوط خلال فترة الدراسة. كما يوضح أسباب قلة وروده إليها منذ نهايات القرن السادس عشر وحتى نهاية القرن السابع عشر. بالإضافة إلى إبراز استخدامات الذهب الوارد إلى مصر خلال فترة الدراسة.

أما الفصل الأخير فيرصد ويناقش المؤلف فيه مسألة تمويل العمليات التجارية وأشكاله المتمثلة في الشركات بأنواعها، والمضاربة أو القراض، والأمانات والودائع، والقروض النقدية والتجارية، وبناءً على هذه الأنظمة التمويلية تم رصد تطور الحركة التجارية بين مصر وبلاد السودان. كما أوضح عملية تسويق البضائع السودانية وكيفية إتمامها. بالإضافة إلى إظهار الأماكن المخصصة لبيعها، والوكالات المعدة للجلابة، وتوضيح الأسواق وأنواعها ببلاد السودان. وقد ناقش أيضًا فرضية دور التجارة مع بلاد السودان في نشأة رأسمالية تجارية محلية.

في نهاية الكتاب أردف المؤلف كتابه بخاتمة وافية في الاستنتاجات الأساسية وما خرج به خلال دراسته. وبهذا يعد هذا الكتاب دراسة قوية وإضافة جديدة أزالت الغبار عن كثير من الموضوعات الهامة التي أغفلها الباحثون وعن تلك الفترة التش شابها الغيوم والضباب.

 

المؤلف: مصطفى كامل عبده

الناشر: الهيئة العامة لقصور الثقافة

تاريخ النشر: 2014

عدد الصفحات: 480

عرض: محمد غنيمة

المصدر: مجلة ذاكرة مصر، العدد 28، يناير 2017، من ص90-91


© 2016 MISIRkultur.net - ALL RIGHTS RESERVED