ضريح سعد باشا زغلول






بناء الضريح

اجتمع مجلس الوزراء المصري برئاسة عبد الخالق باشا ثروت عقب وفاة الزعيم سعد باشا زغلول في 23 أغسطس 1927، وقرر تخليد ذكرى الفقيد بإقامة تمثالين له؛ الأول في القاهرة والثاني في الإسكندرية، بالإضافة إلى إقامة ضريح ضخم يضم جثمانه وتتحمل الحكومة نفقاته. وإلى أن يتم بناء الضريح استقر جثمان الزعيم في مقبرة بسيطة في منطقة الإمام الشافعى؛ حيث إن سعد زغلول لم يفكر في إقامة مقبرة له كما يفكرغيره. لكن قبل وفاته بستة أشهر أحس بدنو أجله فاشترى قطعة أرض من دائرة حسين باشا واصف بمقابر الإمام الشافعي وتركها فضاءً، وفي يوم وفاته بنيت فوق هذه الأرض مقبرة مؤقتة لحفظ الجثمان إلى أن يتم بناء الضريح الذى يطل حاليًا بإحدى واجهاته على شارع الفلكي المجاور لبيت الأمة. وقد أشرفت وزارة الأشغال على بناء القبر المؤقت.

وقد انتهى المهندس المعماري مصطفى فهمي من بتاء الضريح في عام 1931. وقد شيد بما حوله من حديقة وأسوار على مساحة 5225 م2، والضريح في الوسط على مساحة 25*25 مترًا وبأرتفاع 25،75 مترًا.

مبنى الضريح

يبدو هذا المبنى الرائع البنيان للناظر إليه الوهلة الأولي أنه معبد فرعوني شاهق الارتفاع مما يضفي عليه عظمة وشموخًا ويحيط به حديقة الجهات الأربع ويحيط به سور من الحديد المشغول تعلوه حليات نحاس تمثل زهرة اللوتس. وللحديقة أربعة مداخل تفتح على الشوارع الأربعة المحيطة بالضريح. أما الحديقة نفسها فيوجد بها اثنتي عشرة مزهرية نفذت بأشكال من زهرة اللوتس منحوتة من البازلت ومجوفة لتستخدم كبيوت لوحدات الإضاءة، بالإضافة إلى عدد من التماثيل التي تمثل تيجان أعمدة لوجه الإله حتحور حول المداخل الرئيسية لحديقة الضريح لتحمل أحواض الزهور.

أما مبنى الضريح ذاته فهو ذو مسقط مربع الشكل ويتكون من طابقين؛ الطابق الأرضي حيث دفنت فيه رفات الزعيم ويتم الوصول إليه من باب خاص بالواجهة الجنوبية. وطابق علوي يصل إليه الزائر بدرجات من السلم كبيرة داخل الضريح. وللمبنى بوابتان؛ البوابة الأولى من الجهة الغربية تفتح على شارع الفلكىي في مواجهة بيت الأمة.

أما الضريح من الداخل فهو عبارة عن رواق عريض يؤدي إلى بهو مربع الشكل يقوم إلى جانبة جناحان، ويشغل البهو مساحة مربعة تبلغ 14م2. ويتوسط بهو الضريح مشهد من الجرانيت الرمادي المصري يعلو غرفة الدفن ويحيط بالمشهد كوبستة من النحاس الخالص بارتفاع حوالى 90 سم. ويحيط بالبهو 12 عمودًا على الطراز الفرعوني من الجرانيت الأحمر المصري المجلوب من أسوان، وتعلوها شخشيخة محلاة بزخارف وكرانيش حجرية، ولها سقف هرمي (قصع) وتحيط بها مجموعة من الشبابيك ينفذ منها الضوء.

وتزين أرضية البهو تشكيلات بديعة من الرخام الكرارة الأبيض المحلَى بقطع مربعة من الرخام الأخضر تينوس. كما استخدم الجرانيت الأحمر في تشكيل المدخلين الرئيسيين؛ حيث يتكون كل مدخل من عمودين على الطراز الفرعونىي في تشكيل معماري بديع متميز. ويرتفع بهو الضريح عن الأرض بمجموعات من درجات الرخام الجرانيت الأحمر، كما استخدم الجرانيت الأحمر أيضًا في السفل الذي يحيط كامل المبنى بارتفاع حوالى 2,75 متر.

وهنا نلاحظ أن المهندس مصطفى باشا قد تعمد توزيع وتنسيق مواد البناء بشكل جيد وموفق، فالأعمدة على شكل حزم من البردي منفذة بالجرانيت الأحمر كما في الرعامسة. والبازلت استخدم للأعمدة الموجودة بالحديقة. في حين استخدم الجرانيت الرمادي في تكسية المدفن نفسه والأرضية مما أضفى فخامة على البناء. إضافة إلى بعض العناصر الزخرفية التي وُفق في توظيفها مثل الجعارين وقرص الشمس المجنح ووجه حتحور وزهرة اللوتس وأوراق البردي، تم تنسيقها ودمجها بشكل متناغم يدل على فهم للعمارة المصرية القديمة. فجاء المنتج النهائي لمبنى الضريح غير مبتذل وذا زخارف موظفة جيدًا، على عكس ما يحدث الآن في بعض البنايات التي تعتمد على النسخ فقط دون فهم لماهية ومضمون الشكل المنسوخ. وهنا نجح فهمي باشا بمهارته وفهمه العميق للحضارة المصرية القديمة أن يوظف كل هذا من زخارف ومواد بناء ليُنتج بناءً عصريًا حديثًا، ونجد الطابعين العصري والفرعوني يذوبان بشكل غير مسبوق في العمارة؛ حيث تعجز العديد من المباني الحالية عن الوصول له.

وجدير بالذكر أن مثل هذه التأثيرات الفرعونية قد ظهرت في كتير من العمائر السكنية التي بنيت في القاهرة الخديوية، نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر العمارة السكنية التي تقع عند التقاء شارع رمسيس بشارع 2 يوليو والتي احتوت واجهتها على أشكال الجعارين المصرية ورمسيس الثاني وقرص الشمس المجنح. وهنا سؤال يطرح نفسه، هل انتشرت في تلك الفترة التأثيرات المصرية القديمة على العمائر أم أنها مجرد مصادفات وليست طرازًا متبعًا في تلك الفترة خاصة وإذا ذكرنا أن تاريخ بناء ذلك العقار كان في عشرينيات القرن العشرين أي قبل بناء ضريح سعد زغلول بسنوات قليلة.

 

الكاتب: د. شيماء الجرم

المصدر: ذاكرة مصر، العدد31، أكتوبر 2017، ص 12-19(بتصرف واختصار)


© 2016 MISIRkultur.net - ALL RIGHTS RESERVED